حسن الأمين
51
مستدركات أعيان الشيعة
وحدودها ، ويبني موازين الأشياء على أساس هذه الخصائص ( تعد فكرة الموازين هذه « أدق وأعسر وأهم فكرة لجابر بن حيان » ) ( 1 ) ، يصف لنا طريقته العملية الخاصة في صنع « الميزان الوزني » وكيفية استخدامه ، وفي أي البحوث العلمية يستخدم ، واستخلاص الوزن النوعي للمعادن ، يصف ذلك بتفصيل بالغ الدقة ( كتاب الأحجار على رأي بليناس ، الجزء الثاني ) ( 2 ) ، فإذا به هنا أيضا يعتمد التجربة العملية بحرص شديد ، وبمنهجية رائعة ، للوصول إلى النتائج العلمية . كل هذه الأمثال من كلامه ونشاطه التجريبي ، واضح الدلالة على أن جابرا يعتمد في اكتساب المعرفة على تجارب الأشياء واستخلاص النتائج والقوانين الكونية من هذه التجارب ، لا على تلقن الوحي كما ظهر لنا من بعض نصوصه فهل تراه ، إذن ، وقع بالتناقض في رأيه بمصدر المعرفة ؟ . يتراءى لنا انه يمكن إخراجه من التناقض بحمل كلامه بصدد الوحي على أنه يقصد بالمعرفة هناك معرفة الأحكام الشرعية ، وحمل كلامه بصدد التجربة على أنه يقصد هنا معرفة العلوم الطبيعية ، أي خواص الأشياء والأحياء من تصنيفه العلوم في « كتاب الحدود » ( مختارات كراوس ) ، فهو يقسم العلوم عامة إلى قسمين : علم الدين : وعلم الدنيا ، وحين يعرف علم الدين في ذاته ، يقول إنه : هو الأفعال المأمور بإتيانها للصلاح فيما بعد الموت . . وحين يعرف علم الدنيا في ذاته ، يقول هو جميع ما في عالم الكون من الحوادث ، الضارة والنافعة ، بأي وجه كان ذلك فيها . . هذا التمييز لعلم الدين عن علم الدنيا ، يكفي - إلى حد ما - في دفع التناقض عنه من حيث رأيه بمصدر المعرفة ، لأن الذي يعنينا - بالأقل - أن نعرف منه أن العلم بطبائع الأشياء والأحياء ليس ذاتيا تلقائيا بل اكتسابا من الخارج ، أي إنه يعترف بالوجود الخارجي الموضوعي للكون ، وإن معرفة هذا الوجود تأتي من خارج الذات ، لا من داخل الذات . الوجود الموضوعي للكون في ما تقدم من أمثلة كلام جابر ومن أمثلة اعتماده التجربة العملية ، ما يلقي ضوءا على هذه القضية في رأيه ، ولكننا نزيد الأمر توضيحا ببعض الأمثلة الأخرى التي تؤكد أن الرجل ، في منهجه العلمي ، يعتقد بالوجود الموضوعي للكون ، وإنه يصدر في هذا الاعتقاد عن منطق علمي واع : 1 - نرجع إلى كتابه المسمى ب « كتاب التصريف » ، أي تحويل الأشياء بعضها إلى بعض آخر ، فنراه يحل الطبيعة إلى كيفيات أربع : الحرارة ، والبرودة ، واليبوسة ، والرطوبة . . ونراه يقول بان هذه الكيفيات لا وجود للواحدة منها في الطبيعة وجودا مفردا . . ثم نراه يصف علاقة الأشياء في عالم الطبيعة بعالم الكلمات ، فيقول : « إن الأشياء كلها تقال على أربعة أوجه : الأول منها ، أعيان الأمور وذواتها وحقائقها ، كالحرارة في ذاتها والبرودة في ذاتها ، وإن كانا غير موجودين لنا . . ثم تصور ذلك بالعقل . . ثم النطق به ، وذلك بتقطيع الحروف . . ثم كتابتها » . ( 3 ) فوجود « أعيان الأمور وذواتها وحقائقها » . قضية مفروغ منها عند جابر كما ترى . فالأشياء لها ، إذن ، أعيان وذوات وحقائق مستقلة ، ثم يطرأ عليها تصور العقل ، فتصبح داخلة في علم الإنسان ، ثم يطرأ عليها النطق بالحروف ، فالكتابة . هذا التسلسل في حصول المعرفة للموجودات الواقعية الموضوعية ، هو أيضا ظاهرة منهجية ليست غريبة عن منطق العلم الحديث . 2 - جابر بن حيان من القائلين بان طبيعة اللغة ، باحرفها وكلماتها وجملها ، تشف عن طبائع الأشياء ، فدراسة الاسم هي - في الوقت نفسة - دراسة للمسمى . . وحين تعترضه مشكلة تعدد اللغات في المجتمعات البشرية ، دون أن يغفل عن هذه المشكلة ، بل يتقصاها بتفصيل يدل أيضا على منهجيته العلمية ، ينتهي إلى حل المشكلة بأحد أمرين ، وليس يهمنا معرفة الحل بقدر ما يهمنا رأيه في هذا الصدد بان حقائق الأشياء ثابتة لا تتعدد بتعدد اللغات . ( « كتاب الحاصل » مختارات كراوس ، تلخيص زكي نجيب - ص 138 ) . فالقول بان حقائق الأشياء ثابتة لا تتعدد بتعدد اللغات ، هو القول - صراحة لا ضمنا - بوجود الأشياء وجودا موضوعيا مستقلا عن العقل وعن أسماء هذه الأشياء . 3 - في رأيه بمراحل تطور الكون ، يقول بان أول ما كان في الأزل ، هو العناصر الأولية الأربعة : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة . ويسمي هذه العناصر « أوائل الأمهات البسائط » . . ( 4 ) ثم طرأت على هذه البسائط حركة وسكون ، فتكون منها تركيبات منوعة ، ولولا الحركة والسكون لظلت تلك الأصول الأولى مستقلا بعضها عن بعض . . ثم لا بد كذلك من مبدأ الكمية لتخرج هذه الكائنات التي نراها من حيوان ونبات وحجر . . فمراحل الوجود عنده إذن ، هي : كيفيات ، فحركة وسكون فكمية . . في هذا التصور لمراحل تطور الكائنات المادية ، منذ الأزل ، نواة أولية للتفكير بموضوعية الكون المستقلة عن إرادتنا وتاملاتنا . منهج البحث العلمي لا بد لباحث يؤمن بالعلم ، ويرى رأي جابر في مصدر المعرفة ، وفي الوجود الموضوعي للكون ، أن يستهدي في طريق البحث العلمي منهجا سليما يتفق مع هذا الايمان وهذا الرأي . نحن نعرف أن المنهج المعاصر للبحث العلمي القائم على الايمان بالعقل والعلم ، وعلى كون الاكتساب من الوجود الخارجي هو مصدر المعرفة ، وعلى موضوعية وجود الكون ، هو المنهج الذي يبدأ خطوته الأولى بمشاهدة الجزئيات الخارجية المادية المراد تفسير ظاهراتها ، ثم تكون الخطوة الثانية باستنباط النظرية المجردة من هذه المشاهدة ، ثم تأتي الخطوة الثالثة والأخيرة بتطبيق النظرية على الجزئيات الخارجية المادية ، أي بالعودة من النظر الذهني التجريدي إلى الواقع المادي الجزئي لتجربة صدق النظرية المستنبطة . فهنا استقراء أولا ، فاستنباط ، ثم استقراء . . أي إن هذا المنهج يحتوي كلا طريقي الاستقراء والاستنباط ( أو الاستنتاج ) . فما طريق جابر في البحث ؟ . . لنقرأ هذه العبارة له في « كتاب الخواص » ( المقالة الثانية والثلاثين ، مختارات كراوس ، ص 322 ) ، واصفا طريقته في البحث : « . . قد عملته بيدي وبعقلي من قبل ، وبحثت عنه حتى صح ، وامتحنته فما كذب » . . فهذا كلام يجمل المنهج الاستقرائي الاستنباطي كلمات قليلة واضحة الدلالة . . فهو يمارس الجزئيات المادية بيده يستقرئها ، ثم يستخدم عقله مستنبطا من الممارسة الجزئية فكرة أو نظرية ، ثم يعود بالفكرة أو النظرية إلى
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 215 . ( 2 ) المصدر نفسه - ص 219 - 220 . ( 3 ) كتاب التصريف - ص 140 . ( 4 ) رسالة « إخراج ما في القول إلى الفعل » - مختارات كراوس - ص 15 - 16 .